الشيخ محمد رشيد رضا

17

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

العذراء ، وان تحريم بعض الطيبات عليهم عقاب قليل لا يقابل هذه الموبقات كلها بل هو قليل على أي واحدة منها ، فهو انما كان جزاء على ما دون هذه الموبقات من ظلمهم لأنفسهم . وأما قولهم « قلوبنا غلف » فذكر المفسرون فيه وجهين ( أحدهما ) أن « غلف » جمع « أغلف » وهو الذي عليه غلاف يمنع نفوذ الشيء اليه . أي ان قلوبهم لا ينفذ إليها شيء مما جاء به الرسول فهي لا تدركه وهو لا يؤثر فيها . كما حكى اللّه تعالى عن المشركين « وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ » ( وثانيها ) انه جمع غلاف ( ككتاب وكتب ) وسكنت اللام فيه كما تسكن في الكتب والرسل . والمعنى انها أوعية وغلف للعلوم والمعارف فهي لا تحتاج إلى شيء جديد تستفيده من الرسول أو من غيره . وقد رد اللّه تعالى عليهم هذا الزعم بقوله بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ أي ليس ما وصفوا به قلوبهم هو الحق الواقع بل طبع اللّه عليها بكفرهم أي كان كفرهم الشديد وما له من الأثر القبيح في أخلاقهم وأعمالهم سببا للطبع على قلوبهم أي جعلها كالسكة المطبوعة ( الدراهم مثلا ) في قساوتها وتكيفها بطبعة خاصة لا تقبل غيرها من النقوش ، فهم بجمودهم على ذلك الكفر التقليدي ولوازمه لا ينظرون في شيء آخر نظر استدلال واعتبار ، ولا يتأملون فيه تأمل الاخلاص والاستبصار ، وانما النظر والتأمل من الأمور الممكنة التي ينالها كسبهم ، ويصل إليها اختيارهم ، ولكنهم لا يختارون الا ما ألفوا وتعودوا ، ومن لم ينظر لم يبصر ، ومن لم يبصر لم يؤمن ، فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا من الايمان كايمانهم بموسى والتوراة وهو ايمان لا يعتد به ، لأنه - على ضعفه في نفسه - تفريق بين اللّه ورسله ، ( وتقدم بيان هذا ) أو الا قليلا منهم - كعبد اللّه بن سلام وأصحابه - وكذلك كان * * * وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً هذا معطوف على قوله تعالى « فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ » الخ والمراد بالكفر هنا كما يظهر من القرينة الكفر بعيسى ولذلك عطف عليه بهت أمه ( عليهما السّلام ) وهو قذفها بالفاحشة . والبهتان الكذب « تفسير النساء » « 3 السادس » « النساء ج 6 »